كن أنت بقلم الأستاذ علي سيف الرعيني
كن انت !!
علي سيف الرعيني
في تلك العتمة يشعر أنه فقد كل شي المكانة التي اعتادها، والأمان الذي عاش داخله، وحتى صورته التي رسمها الناس عنه. لكنه مع مرور الأيام يكتشف أن ما فقده لم يكن ذاته، بل الأقنعة التي أثقلت وجهه، والقيود التي أقنعته أنها أجنحة
هناك، في عمق التيه، يبدأ اللقاء الحقيقي. لا مع الناس بل مع النفس. يسمع صوته الداخلي لأول مرة دون ضجيج النصائح، ويرى ملامحه بعيدًا عن مرايا الآخرين. يكتشف أن الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى من يدله على الطريق، بل يحتاج إلى الشجاعة ليصنع طريقه بنفسه.
ولعل أعظم ما يتعلمه في تلك الرحلة أن الوجود الحقيقي لا يُمنح من أحد، ولا تمنحه الشهادات، ولا المناصب، ولا تصفيق الجماهير. فالوجود الحقيقي يولد عندما يعيش الإنسان وفق قناعاته ويتحمل مسؤولية اختياراته، ويقبل أن يدفع ثمن حريته الفكرية والنفسية
إن كثيرين يعيشون أعمارًا طويلة دون أن يعيشوا حياتهم فعلًا؛ لأنهم كانوا مجرد نسخ محسنة من رغبات الآخرين. بينما قلة فقط امتلكت الجرأة لتقول: هذا أنا حتى وإن بدا الطريق أطول، وأكثر وعورة، وأقل ازدحامًا.
الطريق الخاص لا يعد صاحبه بالراحة، لكنه يمنحه شيئًا أثمن من الراحة يمنحه السلام. سلام الإنسان الذي لم يعد مضطرًا لأن يمثل دورًا لا يشبهه، ولم يعد ينتظر إذنًا من أحد ليكون نفسه.
ليست المأساة أن يتعثر الإنسان وهو يسير في طريقه، بل أن يصل إلى نهاية العمر ليكتشف أنه عاش حياة كتبها الآخرون باسمه، بينما بقيت حياته الحقيقية تنتظره في الطريق الذي خاف يومًا أن يسلكه
فكن شجاعًا حين تناديك ذاتك حتى وإن كان النداء يأتي من قلب الظلام. فكل طريق صنعه الآخرون يقودك إليهم، أما الطريق الذي تصنعه بنفسك فهو وحده الذي يقودك إليك !!

تعليقات
إرسال تعليق