القطار الذي تبدل صمته بقلم الكاتبة منى دخيل
القطار الذي تبدّل صمته
كان القطارُ ينسابُ في هدوءٍ ثقيل،
كأنّ العجلاتِ تكتبُ على السكةِ أناشيدَ النوم،
والركّابُ غارقون في صحفٍ وأحلامٍ معلّقةٍ على النوافذ.
كلُّ شيءٍ ساكنٌ،
كأنّ العالمَ قرّر أن يتوقّف عن الصخب لحظةً واحدة.
ثمّ انفتح البابُ،
ودخل رجلٌ بثيابٍ منهكة،
يتبعه ثلاثةُ أطفالٍ كالعاصفة.
ركضوا بين المقاعد،
انتزعوا الصحف من الأيدي،
ضحكوا بصوتٍ يجرحُ السكينة،
فانقلب المشهدُ من صمتٍ إلى فوضى،
ومن رضا إلى غضبٍ مكتوم.
اقترب رجلٌ من الأب،
قال بحدةٍ كالسهم:
"ألا ترى؟ أبناؤك يزعجون الجميع!"
رفع الأبُ رأسه،
وفي عينيه بحرٌ غارقٌ في الظلام،
وصوته خرج مبحوحًا،
كأنّه يجرُّ وراءه جبلًا من الحزن:
"أمهم... رحلت منذ ساعات.
نحن عائدون من المستشفى،
وأنا بالكاد أستطيع أن أتنفّس."
تجمّد الرجل،
انطفأ غضبه فجأة،
كأنّ الكلمات أطفأت نارًا في صدره.
نظر إلى الأطفال،
فرآهم قلوبًا صغيرةً تائهة،
لا يعرفون كيف يصرخون بالحزن إلا بالركض والضجيج.
جلس بجانب الأب،
ووضع يده على كتفه،
وقال بصوتٍ خافتٍ يقطر مواساة:
"أعذرني... لم أكن أعلم.
ليمنحكم الله الصبر."
وفي تلك اللحظة،
تبدّل القطارُ كلّه:
من فضاءٍ مضطربٍ إلى حضنٍ من التعاطف،
ومن غضبٍ إلى رحمةٍ صادقة.
كان المشهدُ درسًا حيًّا،
كيف يمكن لحقيقةٍ واحدةٍ أن تقلب الموازين،
وتحوّل الغضبَ إلى إنسانية،
والضجرَ إلى نورٍ من الشفقة.
الكاتبة منى دخيل
اللقب الأدبي " جلنار زهرة الرمان "سوريا
جزاكم الله خير الجزاء ودمتم سالمين ومتألقين
ردحذف