الشمعة بقلم الأستاذ حسين عبدالله جمعة -

الشمعة

هي شمعة تضيء العقل والقلب والمعنى...

ذلك المعنى الذي لا يدركه إلا من امتلأت قلوبهم بالإيمان والمعرفة الحقيقية للسلام والإنسانية.

فالشمعة لا تبدد الظلام من حولها فحسب، بل تذكرنا بذلك الظلام الأعمق الساكن في بعض العقول والقلوب، حيث القسوة والتعصب والانغلاق.

وفي رومنسيتها التي افتقدناها منذ زمن، تعيدنا الشمعة إلى أيام السهر الجميل، والحكايات الدافئة، والكلمات التي كانت تصل من القلب إلى القلب، قبل أن تسرقنا سرعة الحياة وضجيج التكنولوجيا من أنفسنا ومن بعضنا البعض.

هي لحظة صفاء وتأمل، تحاكي الوجدان والسكون، وتدعونا إلى أن نتعرف إلى ذواتنا من جديد، وأن نسأل أنفسنا: من نكون؟ وماذا نريد أن نكون؟

ومع احتراق كل شمعة، اجلس قليلاً وتأمل.

استرجع ما مر بك من أحداث ومواقف، وفكر أين أصبت وأين أخطأت. تذكر دائمًا أن الكمال ليس للبشر، وأن الإنسان يتعلم من عثراته أكثر مما يتعلم من نجاحاته.

اجعل من نفسك شمعة.

شمعة تنير طريقًا، أو تخفف عتمة، أو تمنح أملاً لمن أوشك أن يفقده.

جدد نفسك مع كل صباح جديد، والبس ثوب النقاء والأمل والإخلاص، فنحن جميعًا عابرون في هذه الدنيا؛ الغني والفقير، القوي والضعيف، الطفل والشيخ.

جدد روحك، وأطلق فيها ثورة هادئة على كل ما تراكم فيها من يأس أو عصبية أو تعالٍ أو انشغال عن جوهر الحياة.

فالشمعة وهي تحترق تعلمنا درسًا عظيمًا؛ أنها تمنح النور للآخرين دون ضجيج، وتقاوم العتمة بصمت.

وكم نحن بحاجة إلى هذا النور في زمن تزداد فيه المسافات بين البشر رغم كثرة وسائل التواصل، ونحتاج فيه إلى العودة لإنسانيتنا أكثر من أي وقت مضى.

لنعطِ أبناءنا ما هو أبقى من الأشياء المادية؛ لنعطهم المعرفة، والقدوة، وحب الخير، وروح المبادرة والعطاء.

شجعوهم على القراءة، وعلى العمل التطوعي، وعلى مد يد العون للمحتاج، وعلى أن يكونوا جزءًا من صناعة الأمل لا من صناعة الإحباط.

استمعوا إليهم، وافهموا أحلامهم وهواجسهم، فكم من إنسان كان يحتاج فقط إلى من يسمعه.

اصنع بسمةً في وجه متعب، وازرع أملاً في قلب يائس، وساعد من يستطيع أن ينهض إذا وجد من يأخذ بيده.

خففوا من عصبياتكم، ومن أحكامكم القاسية على الآخرين، ومن انشغالكم الدائم بالحسابات الصغيرة.

فهذا العالم لا يحتاج مزيدًا من الصدام، بل يحتاج مزيدًا من النور.

دعونا نبتعد قليلاً عن أنانيتنا وهمومنا الخاصة، ونضيء شمعة.

شمعة في بيت.

وشمعة في قلب.

وشمعة في فكر.

فهي مسؤولية الجميع، أينما كانوا، وأيًا كانت مواقعهم في هذه الحياة.

هي شمعة تضيء العقل والقلب والمعنى...

ولعل المعنى قد وصل.

لبنان

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رغيف ساخن كلمات الكاتبة محو خديجة من المغرب

غزة بلا قيود كلمات الأستاذة بلحاج صليحة