بقلم الاستاذة فاطمة صابر من المغرب


 نبش في ذاكرة الماضي

كانت الذكريات تنبش بعناية، كمن يقلّب صفحات كتاب قديم، تتهاوى منه غبار السنوات بين الأصابع. كل صفحة تفتح بابًا إلى عالمٍ كان يبدو يومًا ما بلا نهاية، إلى وجوهٍ باسمة، وأصواتٍ دافئة، وطرقاتٍ على الباب لا تُسبق برسالةٍ رقمية. كان الماضي هناك، في دفء اللحظات البطيئة، في رسائل مكتوبة بخط اليد، في انتظار اللقاءات التي تُحفَظ في القلب قبل الهاتف.  


ثمّ جاء الصباح فجأة، مُثقَلًا بنغماتٍ إلكترونيةٍ حادّة، تُقطع خيوط الأحلام قبل أن تُحاك. أصابع تبحث عن الهاتف بغريزة، عيونٌ تلتهم شاشةً زرقاء قبل أن تلتقي بعينيّ الإنسان. إشارات الفيسبوك تتلاحق كقطارٍ لا يتوقف، وتيك توك يسرق الوقت قطعةً قطعةً، بينما الحياة الحقيقية تقف خلف الزجاج، تنتظر دورًا قد لا يأتي.  


أين ذاك العالم الذي كنّا نستيقظ فيه على همسات الحبيب، أو على صوت الأمّ وهي فاطمة صابر من المغرب الفطور؟ أين تلك الصباحات التي كانت تبدأ بقهوةٍ هادئة، وجريدةٍ ورقية، وهمسةٍ مع النفس قبل أن نُلقِيَ بأنفسنا في زحام اليوم؟ لقد صرنا نستيقظ على أصواتٍ لا نعرفها، على أخبارٍ لا تهمّنا، على تواصلٍ بلا لقاء، وعلى حضورٍ بلا روح.  


لكنّ الذاكرة تبقى ملجأنا الأخير، تهمس في أذننا: "لا تنسَ". فلا يزال في وسعك أن تغمض عينيك، وتنبش الماضي من جديد، فتجد فيه — ولو للحظة — ذلك الهدوء الذي لم يعد يباع في الأسواق. 

فاطمة صابر من المغرب 🇲🇦


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رغيف ساخن كلمات الكاتبة محو خديجة من المغرب

غزة بلا قيود كلمات الأستاذة بلحاج صليحة

الشمعة بقلم الأستاذ حسين عبدالله جمعة -