بقلم الأستاذ سالم المتهني
ليس حلما ( قصة قصيرة )
صفق الباب وراءه بكل ما أوتي من قوة، وكظم غيظه ولجم لسانه عن سباب يأتي فيه على الأخضر واليابس، يزلزل به البناية التي يسكن إحدى شققها.
نزل الدرج دون وعي، ولم يعد إليه إدراكه إلا عندما وصل إلى الشارع. تأمل السيارات والمارة، لا شيء يتوقف إلا دماغه الذي لم يستوعب إلى اللحظة سبب هذا الانهيار المريع، مازال صوت الضابط يتردد في أذنيه:" ابنتك ضبطناها في حالة غير طبيعية، المطلوب الحضور فورا "
لا بد أن يحدث امر يخرج دماغه من حالة الشلل ويوقف طنين أذنيه. سيارات التاكسي لا تتوقف، عندما تسوء الأمور لا شيء يتوقف والوضع يزداد تعقيدا، فاليوم العصيب تأتي وقائعه مرتبة بإحكام لتغرق المبتلى في كابوس...يضيق صدره، يرفع يده مرة أخرى لتاكسي أخرى قادمة بسرعة، لا يبدو أنها ستتوقف، فعلا لا تتوقف، يظل المنجي يتابعها بنظراته حتى غابت. تاكسي أخرى تقف على جانب الطريق، يفتح الباب،ينزل راكب، يجري نحوها صياد آخر، هم المنجي بالركض ليسبقه، لكنه لم يفعل، قدر أن الشاب أسرع منه.
يئس من الانتظار واختار أن يمشي ربحا للوقت، ربما ظفر بتاكسي وهو يدفع خطاه وفي أسوأ الأحوال سيكمل طريقه سيرا، فهذا أفضل من الانتظار الممض. ظل يمشي ويلتفت من حين لآخر، ولما طال دبيبه قرر أن لا يلتفت وأن يقصد مركز الشرطة معولا على قدميه الثقيلتين.
لما وصل إلى الشارع الرئيسي الموصل إلى وسط المدينة وجد نفسه وسط حشد مسيرة. الشارع مزدحم و الأنفاس ثقيلة تحت شمس يوم قائظ. تداخلت الهتافات وبدت مشوشة، يجب أن يقوى هتاف بعينه حتى تأتلف الحناجر في صوت واحد " لا نريد حياة العبيد ". أحس المنجي أن الجموع تصرخ نيابة عنه، فلم يشأ الابتعاد عن مسارها، انضم إليها، لم يجرؤ على الهتاف ثم جرب أن يقول بصوت خفيض " لا نريد حياة العبيد ".حرارة الشمس زادت من حرارة المشهد، أحرقت الوجوه وزادت الغضب اتقادا، واحتراق الوجوه بداية المواجهة بعد أن احترقت الأدمغة والأفئدة. هذه محرقتنا ولا مجال للتراجع، لتلتهب الأجساد ويسيل العرق وتدمى الأقدام، لينهك الجسد من أجل الكلمة والراية ودحر الهوان.
سأل نفسه : " إلى أين يسير الغاضبون؟" ما قيمة السؤال؟ فالبلد بأسره لا يعرف إلى أين يسير. ليمشوا، فالوجهة يعرفها من يقودهم، ليذهب بهم بعيدا، إلى الضفة الأخرى من هذا الوجود الآسن، ليخرجهم من هذا الانتظار الممض لتحسن الأحوال. ولن تتحسن ماداموا لا يتقنون إلا الانتظار، ليتدخل الأمن ويهشم الرؤوس بهراواته، فما عاد الضرب يخيف أحدا، بل ربما يحتاجونه لعلهم يدركون أن في جمودهم هلاكهم.
تنوعت الهتافات طردا للملل وجذبا للإثارة وتحسيسا بأن للتحرك أسبابا قوية وأن الأوضاع لم تعد تحتمل، ثم تعود الحناجر إلى الهتاف الأول الأساس " لا نريد حياة العبيد" .
لم ينصرف ذهن المنجي عن التفكير في ابنته، أحس بالذنب، لام نفسه على الانشغال عن أمرها بالمشاركة في هذه المسيرة المفاجئة .هون على نفسه بأنه لم يكن يضيع وقته سدى، فالمسيرة تسير في اتجاه مقصده، سينسحب منها عندما يقترب من مركز الأمن.
تعالت الأصوات مرة أخرى بشعار جديد: " بالروح، بالدم نفديك يا وطن " .
شارك المنجي الحشود في كل هتافاتها، أحس أنه يفرغ غضبه وبؤسه، كما أحس أن إيقاف النزيف ليس مستحيلا وأنه ممكن وضع حد للتردي والانهيار " ابنتي جاوزت كل مراحل الدراسة بتفوق، تتردى بهذا الشكل السريع؟! تغرق في الاكتئاب وتنفلت وتفقد السيطرة على مصيرها وأعجز عن إرجاعها إلى الجادة"
" يا شهيد، ياشهيد، عن المبادئ لن نحيد" .
ردد المنجي الشعار مع الجموع وهو يتخيل أن ابنته تسمع صراخه، استغاثته، تفجعه على أمله الضائع " ...قليلنا يبقى...لانريد بطولات ولا ثراء ولا مجدا...حسبنا حياة هادئة بدون اهتزازات مدمرة " .
نظر المنجي إلى يمينه فلاحظ سيارات الشرطة ترافق المسيرة بهدوء، كان ينتظر بين الفينة والأخرى نزول الأعوان لمهاجمة المتظاهرين لكن ذلك لم يحدث.
بدأ الحشد يقترب من مركز الأمن، خفف المنجي من وقع خطاه استعدادا للانسحاب من المسيرة.
تتجاوز الحشود مركز الأمن بسلام، يدخل المنجي منطقة الشرطة يتصبب عرقا، نظر الضابط في بطاقة هويته وقال:
-سي المنجي، أبطأت في الوصول .
- أزمة المواصلات، أتيت مشيا...أين ابنتي؟
- جاءت طليقتك واصطحبتها إلى المصحة.
- ماذا أصابها؟
- ضبطناها في شقة مع شرذمة منحرفة تتعاطى المخدرات، يبدو أنها تناولت جرعة ثقيلة، فهي في شبه غيبوبة.
عاد الطنين إلى أذني المنجي بشكل حاد وأحس بارتعاش قدميه وبدا كل شيء كأنه حلم. لاحظ الضابط اضطرابه فطلب منه الجلوس وأحضر قارورة مياه صغيرة، تسلمها المنجي شاكرا، عب منها جرعات متتالية، خف الطنين وسالت دمعتان حارقتان من مقلتيه، هز الضابط رأسه أسفا.
قال المنجي بصوت متهدج:
- ماذا علي أن أفعل؟
- سأعطيك عنوان المصحة وسنتصل بك بعد أن تتعافى ابنتك ونستأنف التحقيق معها لمواصلة الأبحاث وختم المحضر وإحالتها على القضاء.
في سيارة التاكسي التي استقلها المنجي للحاق بابنته وطليقته سمع المذيع في نشرة الأخبار يشيد بالمسيرات الحاشدة في كامل أرجاء الوطن التي خرجت مناشدة الرئيس الترشح لولاية ثالثة.
نظر المنجي إلى سائق التاكسي الذي علت وجهه ابتسامة ساخرة ثم سأله:
- هل نحن في حلم؟
أجابه ضاحكا:
- لا...لسنا في حلم.
تأليف: سالم المتهني( تونس )
تعليقات
إرسال تعليق