توأما الذاكرة

بقلم: منير بهرى 


لم أعد أحتمل البيت.

لا حرارة الجدران، ولا مروحة السقف التي تدور كأنها تفكّ خيطي الأخير إلى العالم.

ولا حتى رائحة الصحف القديمة، التي ما عادت تخبئ أيّ دهشة… فقط تواريخ باردة.


منذ أن رحلت، صارت المدينة مسمارًا صدئًا في جمجمتي.

ضوءها شاحبٌ، وأصواتها كأنها تصدر من بئرٍ مهجورة.


خرجتُ تحت شمسٍ تغلي على سطح السماء.

لم تكن تضيء… بل كانت تلسع الهواء، وتُلهب الأرصفة كأنها تمحو آثار الأحبة عمداً.

كأنها تقول لي: "لا ظلّ لك بعد اليوم… لا ظلّ لك إلّا أنت."


سرتُ كأنني أبحث عن شيء ضيّعته ذات فقد، واتجهت إلى المقهى القديم…

ملاذي الأخير.


ذاك المكان الذي كنتُ أرتاده معها،

قبل أن تصير ذكرى،

وقبل أن تصير القهوة… مرّة أكثر مما ينبغي.


دخلت.

استقبلني النادل بنفس وجهه البضّ، كأنّ الزمن لم يمرّ عليه… أو كأنّه مرّ كثيرًا علينا نحن فقط.

بادرني بنصف ابتسامة:

– قهوتك المعتادة، سادة؟

أومأت. لم يكن فيّ نَفَسٌ للكلام.

كنتُ أمشي بداخلي، لا على الأرض.


جلستُ في الزاوية نفسها.

هي ذاتها التي كنّا نضحك فيها، حين سكبتْ سكرًا أكثر من اللازم، وقالت بمكرها العذب:

– أحبّ القهوة ثقيلة... مثلك.


ارتجف قلبي كطفل نسي طريق البيت.

وعاد كلّ شيء دفعةً واحدة.

صوتها، قهقهتها، نظرة عينيها حين تشاغب، يدها تزيح خصلةً عن جبينها...


جاءني الفنجان مهيبًا في صحنه الأبيض، يتبعه كوب ماء بارد،

يشعّ كأنّه حارس لذاكرة لا تريد أن تُنسى.


قبضتُ عليه كمن يمسك قلبه بيد مرتجفة.


ثم...

في الزاوية المقابلة،

جلست امرأة تشبهها.


لم تكن نسخة… بل انعكاس.

في عينيها ذات الدفء الغامض، وفي طريقة تقليب السكر، ذات الإيماءة الخفيفة.


توقّف كلّ شيء.

انكمشت الحرارة، وصار المقهى ثلاجة مليئة بالذكريات.

لكنني كنت أنا المجمّد الوحيد.


تشبثتُ بفنجاني.

كنتُ على وشك النهوض،

على وشك أن أقول: "أهذه أنتِ؟"


لكنني لم أفعل.


لأنني خفت.

خفت أن تبتسم بالطريقة نفسها…

أن تنظر إليّ وكأننا التقينا من قبل…

أن يكون اسمها… الاسم الذي ما زال يئنّ في داخلي كلما نطقتُ الصمت.


نظرتُ إلى قهوتي، فرأيتُ وجهي غارقًا في مرآتها.

لكنها لم تكن مرآة السطح…

بل مرآة القلب، حين يرتجف من فرط الذكرى.


تذكّرتُ ضحكتها وهي تقول:

– لا أحبّ القهوة السادة… أحبّها ثقيلة… مثلك.


ابتسمتُ، رغم الطعنة.

ورفعت الفنجان كما يُرفع نَخبُ وداعٍ لا يُعلن.

شربتُ الرشفة الأولى.


تدفّقت مرارة دافئة في حلقي…

كأنها تقول لي:

"أنا هنا… لكنني لن أبقى."


هي وأنا…

توأمان من ذاكرة واحدة،

يشربان الفقد في فنجانين متقابلين.


لكنني هذه المرّة، لم أشربها حتى آخر قطرة.

وضعتُ الفنجان بلطف… كمن يضع زهرةً على قبر حبيب، لا يريد أن يوقظه من الحلم.


ثم خرجت.

تركتُ المقهى دون أن أنظر إلى الخلف.


لا أدري إن كانت هي… أم ظلّها… أم ظلّ ما كان بيننا.

لكنني أدركتُ شيئًا واحدًا:


نحن لا نُشفى من الذكرى…

بل نحتسيها،

رشفةً رشفة،

كقهوةٍ باردةٍ… سادة… لا تذوب.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رغيف ساخن كلمات الكاتبة محو خديجة من المغرب

غزة بلا قيود كلمات الأستاذة بلحاج صليحة

الشمعة بقلم الأستاذ حسين عبدالله جمعة -