بقلم الأستاذ الشهبي أحمد/ المغرب
أخذتُ مذكرتي وبدأت أكتب. كانت تبتسم، تراقب كلماتي بعينين تتوهجان حنانًا. قالت:
– كتابتك رائعة، تنمّ عن روحك الطيبة الحنونة... أخبرني، ماذا ستكتب الآن؟
– لكِ، سأكتب.
– ولماذا أنا؟
– لأنني كلما كتبتُ عن أحد، ازداد تعلقي به، والكتابة عنك صارت نوعًا من العبادة. أكاد أجزم أن للكتابة سلطانًا علينا لا يرحم، إن بدأت، لا فكاك منها.
ابتسمت، ثم صمتنا قليلاً. قطعتُ الصمت بفكرة مجنونة:
– جاءتني فكرة! سأرتدي وشاح الغياب، وأدع الشوق ينهشك خفية.
– لكنني أخاف عليك من الغياب.
– وأنا أخاف من الحضور الناقص. لا أريدكِ قديسةً تهرب من صخب الكنائس، ولا صوفيةً تعتكف في زوايا الوحدة. أريدك امرأة، فقط امرأة.
ظلت تحدق بي. كانت تفهمني، تفهم أنني لا أحتمل الفقد. قلت:
– أريد فقط أن أظل هنا، على عتبات قلبك. لا أحبك، لا أريد أن أحبك، ولا أريد أن أتعذب بك... لكنني لا أعرف كيف أهرب منك.
همست بحزن:
– إذن... لن نحب بعضنا. لن أكون معك.
لم تقلها بصوت مسموع، بل بعينين انطفأ فيهما كل نور. كنتُ أسمع صدى القرار يرتطم بجدران قلبي، لا بجدران المحطة. كان مثل برقٍ لمع فجأة، دون مطر... كسحابة صيف لا تلد الحياة.
صرخت بداخل خوفي:
– لا، يا كريمة! لا أريد أن نفترق. لنحتال على الزمن... سنتزوج!
فتحت عينيها بدهشة:
– أتمزح؟ بالكاد نعرف بعضنا.
– بل أعرفك، أكثر مما أعرفني. عامان من الحديث، يكفيان لخلق قدرٍ مشترك. أريدك، زوجتي... أم أولادي.
كنتُ أرتجف، فاستعنتُ بالشعر لأطمئن قلبي وقلبها:
يا امرأةً من أي كوكب نزلتِ؟
من رحم الضوء وُلدتِ؟
أم أنكِ الجنة، قبل أن تُخلق الجنة؟
يا سؤالاً أربك الوجود... من أنتِ؟
اغرورقت عيناها بالدمع، سقت وجنتيها كشتاءٍ حنون. نظرت إليّ كأنها ترى طفلتها الضائعة في وجهي. اقتربت، همست:
– أحبك يا أيوب... أنت من كنت أبحث عنه.
ثم انهارت في بكاء طويل... بكاءٍ لا يشبه مشهد الختام، بل يشبه بداية كل شيء. ضممتها إلى صدري، كان قلبي يلهث خوفًا من أن يخطفها مني الوقت.
لكنّه فعل.
في المساء، تلقيتُ رسالة من رقمها، لكن بصيغة باردة غريبة:
“نعتذر، لقد فقدنا كريمة إثر حادث سير مروّع مساء اليوم. كانت تمسك هاتفها، تكتب شيئًا لك، حين صدمتها شاحنة مسرعة... نرجو لك الصبر.”
سقط هاتفي من يدي. لم أصرخ. لم أبكِ. لم أفهم.
فقط... جلستُ، فتحت مذكرتي، وبدأت أكتب.
ولأول مرة، لم تبتسم.
ولم تقل شيئًا.

تعليقات
إرسال تعليق