يوميات من البادية بقلم الأستاذة لطيفة ناجي
زيارتي الأولى.
قدمت إليها أول مرة ،وأنا في عقدي الثاني .لم أكن أعرفها ولم أسمع قط عنها . زرتها ذات خريف ،لأنه الوقت الأنسب للذهاب إلى البادية حيث يكون الجو معتدلا نهارا وبارد ليلا. من يستضيفك إلى البادية يلح عليك بزيارتها في فصل الخريف .يقولون :
"تعالى لتتذوق الخريف " ، ويقصدون بذلك كل الفواكه الموسمية كالتين والعنب والرمان وحتى الجوز واللوز والسفرجل ، وكذلك الخضر من فلفل وبصل وطماطم وكوسة وقرع أحمر .
خلال الخريف ،إذا كان الصيف مثمرا، بعد عملية الحصاد وجمع الحبوب من قمح وذرة ، وتخزين العلف للماشية ،يقيم السكان الأعراس ويحتفون بالضيوف القادمين من المدن لقضاء آخر حقبة من عطلة الصيف الكبيرة.
المنطقة جبلية مسالكها وعرة ،والطريق إليها غير معبد مما جعل الولوج إليها يشكل خطورة على من يسلكها لأول مرة وهناك سيارات مخصصة لتوصيل السكان أو الزوار ،حيث يختلط النساء والرجال والأطفال وحتى الماشية ، ناهيك عن المقتنيات والمشتريات التي يحضرها الساكنة من السوق الأسبوعي المقام في أقرب مدينة تبعد عن المنطقة ب45 أو 50 كيلومترا .المنطقة تفتقر إلى الضروريات : ليست هناك وسائل للنقل ولا مستوصف فمن ألم به مرض ، عليه قطع مسافة أربع كيلومترات من طريق غير معبد ، مشيا على الأقدام أو على ظهر دابة حتى يصل إلى الطريق الثانوية وينتظر مرور تلك السيارات المعروفة ب : " 207 " كما يسمونها ، ومن تم يذهب إلى المستوصف أو لزيارة الطبيب في المدينة وأحيانا في حالة مزرية ، أما النسوة فيلدن في الدوار على يد " قابلة الدوار " حتى وإن كانت الولادة عسيرة .
حين تلج البادية لأول مرة، ترى الدوار كاملا وكأنه معلق في الجبل ، وعلى الشمال تناثرت الأشجار الكثيفة وخلفها الحقول تتوسطها الساقية .في حين على الشمال هناك بعض البيوت الملتصقة بالجبال المحيطة بالأماكن .لأول وهلة ، تتعجب ، يخيل إليك بأن الأماكن فارغة من أهلها ، ولكن تيقن بأن هدير محرك السيارة هو ما جعلهم يختبئون في بيوتهم ، يتابعون الحدث عن كثب ، بعين المصور المحنك ، ليطلوا على الوافدين، من خلف النوافذ والأبواب. وماهي إلا دقائق حتى يشيع الخبر بأن فلان وفلان قدما من المدينة ضيوفا على عائلة آيت فلان ، دون وسائل تواصل ، وتنسج الحكايات ويكثر القيل والقال وقد يلحق بك المقربون ليتمنون لك مقاما طيبا ويلحون على أن تزورهم ، في "خيمتهم " قبل العودة .
تعليقات
إرسال تعليق