سيدي الغريب بقلم الأستاذ عبد القادر بوراص

 سيدي الغريب


بقلم عبد القادر بوراص أبو إسحاق (المغرب)


قصدت حلاق الحي الحاج المقوري نهاية أسبوع ممطر، فأجلسني على كرسي خشبي قديم قِدَمَ دكانه الذي أتى عليه حين من الدهر فحال لون طلاء جدرانه مثل ما حالت صورة الخيول المعلقة عليها منذ عقود، ومازالت أدوات الحلاقة العتيقة حاجزة مكانها في نظام بديع فوق رفوف مهترئة ومتآكلة ملأتها مخلفات الذباب، وفي ركن من المنضدة تربع بشموخ وكبرياء إناء طين مزوق بنقط من مادة القطران وضعه رهن إشارة زبنائه العطشى. كل شيء في هذا الحي تغير باستثناء دكان الحلاق المقوري ومزار سيدي الغريب فأصبحا نشازا وسط عمارات بعدة طوابق ومحلات تجارية كبيرة، وهدمت البنايات الخربة وشيدت فوقها إدارات عمومية وملاعب قرب نموذجية ومؤسسة تعليمية ومسجد. 


كَفَّنَ الحاج المقوري نصف جسدي العلوي بقطعة قماش بالية، وبعد أن شحذ مقصا صدئ جزء منه انطلق في مداعبة شعر رأسي الذي غزاه الشيب، ثم حدثني قائلا:

أتعلم من أين استمد هذا الحي اسم "سيدي الغريب" الذي خرج سكانه في مظاهرة احتجاجية عارمة حين قررت السلطات المحلية أن تستبدله باسم الزهور، فخضعوا للأمر الواقع وظل الأمر كما كان، إذ كان قديما أرضا خلاءً تعج بنبات الصبار الشوكي ذي فاكهة حمراء شبيهة بالدم، إذا اقترب منها أحد أصدرت أنينا كالبكاء الخافت، فساد الاعتقاد أنها مسكونة بالجن، فتجنبها الناس مخافة مَسِّها، مؤكدا أن أحد الأشخاص تحدى الجميع فقصدها ليلا فعاد منها مختل العقل، وشل لسانه عن النطق والكلام، ولم يلبث طويلا حتى فارق الحياة دون أن يعرف أحد سره.


كان الحاج المقوري يتوقف من حين لآخر عن عملية الحلاقة ويتأمل وجهي لمعرفة مدى تفاعلي مع حكايته، ويرفع يديه للسماء طالبا من الله أن تحفه بركة الولي الصالح سيدي الغريب، قبل أن يضيف بأن شيخا بلغ من الكبر عتيا حل ضيفا بأسرة فقيرة، فاستقبله رب البيت بحفاوة كبيرة وأطعمه لحم دجاجته الوحيدة التي كان يعتمد على بيضها بعد جمعه وبيعه بالسوق الأسبوعي في توفير قليل من الشاي والسكر، وأحس 

 صاحب الدار بفرحة عارمة وراحة نفسية لامحدودة حين رأى علامات الرضى تشع من محيا ضيفه الغريب، ذي الوجه المجعد الشاحب، وعينيه الضيقتين السوداوين كأنهما مكتحلتان، ولحيته الطويلة التي غزاها الشيب بأكملها وقد استرسلت بحرية مطلقة على صدره العريض. كان يرتدي جلبابا صوفيا رثا تخللته أكثر من رقعة وفوقه برنوس من وبر الجمل تآكلت بعد أطرافه وتدلت خيوطها، ووضع فوق رأسه خرقة كتان أخضر فلم تستر إلا القليل من شعره الأشعث، وحول عنقه مسبحة ضخمة حباتها من خشب بني. نهض مسرعا وودع صاحب الدار بكلمات مقتضبة غير مفهومة ولا مسموعة، وغادر البيت بخطوات سريعة مثيرة للعجب دون أن يعتمد على عصا في سيره كباقي الشيوخ في مثل سنه، قاصدا المكان الخلاء، مسكن الجن المحرم على بني آدم، دون أن يكترث لتحذير مضيفه الذي حاول بكل ما أوتي من قوة أن يثْنِيَهُ على الذهاب.


كان الليل شديد السواد غاب فيه نور القمر عن المنطقة، و"سكنت كل ذي حركة نسمة حية"، وحده نباح الكلاب المتشردة الذي كان يهتك ستر الليل من حين لآخر، وسرعان ما ابتلعت الظلمة الحالكة الشيخ الغريب ولم يعد له أثر، فولج مضيفه بيته وهو في حالة هم وغم وكرب، وألقى الخبر المفجع في وجه زوجته التي كانت منهمكة في غسل أواني وجبة العشاء بالمطبخ، فأجهشت بالبكاء فيما رفع بعلها يديه للسماء داعيا السلامة والنجاة للغريب المغامر بحياته.


دخل الغريب المنطقة المحرمة فاتِحاً دون أن يجد دما بفاكهة التين الشوكي ولا سمع لها أنينا كما تداولته الألسن، فاتخذ من غرفة بدون سقف مسكنا له داخل منزل تهدم جل بنيانه فأصبح عبارة عن أطلال تبكي أهلها، ولما اطمأن للمكان وارتاح لإقامته به، استقدم أفراد أسرته مع بعض أقاربه الذين أصبحوا يعانون من ضنك العيش بعد أن ضرب الجفاف قريتهم الصحراوية النائية لسنوات طوال، وأقاموا بدورهم في أكواخ قصديرية، ووجدوا في صناعة منتوجات محلية من نبات الحلفاء المنتشر بكثرة بهاته المنطقة مصدرا للرزق ومكسبا للعيش بعد تسويقها بأحياء المدينة المجاورة، كما كانوا يسوقون التين الشوكي في موسم جنيه، وظلوا مستقرين آمنين بهذا المكان إلى أن اكتشف أمرهم أحد أباطرة الترامي على الأراضي فقام بالاستيلاء على هاته البقعة الأرضية المترامية الأطراف بطرق ملتوية غير قانونية، واستصدر حكما بالإفراغ في حق السكان المغلوب على أمرهم.


امتثل الجميع لأوامر القوات العمومية المدججة بالهراوات الصلبة فحملوا أثاثهم المتواضع وغادروا المكان عائدين من حيث أتوا فيما تشبث الشيخ الغريب بغرفته وصمم على عدم مغادرتها رغم التهديد والوعيد بهدم الجرافة لها فوق رأسه، ووجد تعاطفا كبيرا من الناس المتجمهرين الذين حضروا عملية الهدم، فرضخ مالك الأرض زورا للأمر الواقع ودعاهم إلى الانصراف بعد أن قرر منحه تلك القطعة الأرضية المتواضعة، حيث ظل معتكفا بها يسبح الله آناء الليل وأطراف النهار، إلى أن وافته المنية وهو على هذه الحال، فدفن بذات المكان وأصبح مزارا معروفا ب "سيدي الغريب"، يقصده سكان المنطقة التماسا لبركاته.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رغيف ساخن كلمات الكاتبة محو خديجة من المغرب

غزة بلا قيود كلمات الأستاذة بلحاج صليحة

الشمعة بقلم الأستاذ حسين عبدالله جمعة -