قصة قصيرة بقلم الكاتب هشام أجران من المغرب
غرقى في بحر الوهم.
فتش جيوبه، لا شيء. المال الذي كان بحوزته، دفعه في الرهان الأخير، ولن يستطيع المشاركة مرة أخرى. أفرغ ما تبقى من كأس الشاي في جوفه، كان باردا، وبلا طعم ولا لذة، لكنه تجرعه في رشفة واحدة، وصورة الرقم 26 الذي راهن عليه قبل لحظات لا تفارق ذهنه وعينيه .
-" ابنك مريض جدا، وقد أخبرني الطبيب بضرورة اقتناء هذا الدواء قبل أن تتفاقم حالته، هل سمعت؟ الأمر لا يحتمل التأجيل، إياك ثم إياك أن تقترب من المقهى المعلومة. الدواء، لا تنس. الدواء، الدواء."
كلمات زوجته ترن في مسامعه من جديد، كانت تتحدث بنبرة جديدة لم يألفها، نبرة امرأة تعبت من تحمل حماقات زوج ، تعود أن يخسر أمواله في لعبة حظ، ويخسر في المقابل حياته وأسرته، ما دام الحظ لم يبتسم له يوما.
- " الدواء... الدواء". ترددت الكلمة في دواخله.
- " لكنني لا أملك شيئا."
حوار داخلي قاس يعيشه، وينخرط فيه مرغما. وتساءل في لحظة: " أين يمكنني أن أجد المال؟"
- " سألجأ للحل المتبقي إذن."، اتخذ القرار النهائي في نفسه دائما. وأخرج من جيب سترته دفتر شيكات مهترئ، ثم جر خطواته المتعبة نحو محل كبير لبيع التجهيزات المنزلية، وهناك التقى بصاحب المحل، الذي بدا متبرما عند رؤية زائره، وعقد حاجبيه في غضب وهو يبادره:
- أية مصيبة جديدة اقترفتها يا (علي)؟
أحنى الآخر رأسه وردد بصوت خافت:
- أحتاج إلى المال، ابني مريض، ويحتاج لدواء مستعجل.
- هل عدت للعب؟؛؛
- نعم. كنت قريبا هذه المرة و ...
قاطعه الرجل بحدة:
- منذ عشرين سنة وأنت تعيد نفس العبارة. متى ستصحو من غفلتك؟
- أرجوك. لا داعي لهذا الكلام، أحتاج لبعض المال، وسأسلمك هذا الشيك ضمانة.
- هذه المرة فقط، ولأجل ابنك المريض. ولن أساعدك مرة أخرى، هل سمعت؟
تسلم أوراقا مالية زرقاء، وسلم منقذه شيكا بالمبلغ، وغادر مسرعا، لكن لافتة كبيرة معلقة في مدخل المحل استوقفته، كانت صورة إعلانية لتلفاز جديد، وميز الرقم (32) الذي كتب بطريقة رائعة. خرج قاصدا الصيدلية، توقفت قربه سيارة أجرة صغيرة لتحمل راكبا، وتكرر الرقم (32) مرة أخرى أعلى السيارة، فشعر بقلبه يخفق، وذلك الشعور السابق بالانتشاء يتملكه. أسرع الخطى نحو الصيدلية، ووقف ينتظر دوره، أمامه زبون يسأل عن ثمن دواء، وميز صوت الصيدلي بوضوح وهو يجيبه:
- 32 درهما.
قلبه يدق بعنف أكبر. وعاد من جديد لينخرط في حوار داخلي جامح:
" لا يمكن أن يكون الأمر مجرد صدفة."
" لماذا تكرر هذا الرقم بالذات أمام عيوني؟"
" هذه إشارات واضحة وذات معنى ولا يمكنني تجاهلها."
استدار خارجا من الصيدلية، وهو يدفع بخطواته التي استعادت رشاقتها، نحو المكان الذي تعود أن يقصده مرارا، نحو المقهى.
توجه مباشرة نحو الشباك، استقبله رجل ضخم بابتسامة صفراء، وخاطبه بصوته الغليظ:
- مرحبا بك من جديد. لن يعاندك الحظ هذه المرة، ثق بي.
كلمات الرجل منحته شحنة مضاعفة من الأمل، فأخرج الأوراق المالية من جيبه، وسلمها للجالس وراء الشباك، وهو يردد بصوت كله ثقة:
- (32) – (32)
ثم جلس على كرسي، وعيناه مركزتان على الشاشة، وقد تملكت روحه نفس المشاعر السابقة، الخوف والترقب والانفعال، واللهفة، والانتشاء.
اقترب منه رجل، اقترب أكثر من المعتاد، حتى شعر بأنفاسه الساخنة تحرق أذنه، فالتفت في غضب، وعيناه تقطران بالشرر، تتوعدان هذا المتطفل، العديم الذوق، والذي ضيع عليه فرصة الاستمتاع بلحظة انتشائه. حاول أن يميز ملامح الرجل، فلم ير سوى كتلة من الجلد المترهل، وقد غطتها التجاعيد، وندبات تنبئ عن شقاوة الماضي.
همس المتطفل في أذنه بصوت أجش:
- بكم راهنت يا صديقي؟
رد الآخر بجفاء:
- وما شأنك أنت؟
ابتسم الرجل ليميط اللثام عن فم محطم الأسنان، وتحدث بحكمة لا تناسب مظهره:
- أتعرف أننا مجرد غرقى في بحر الوهم؟
لم يفهم الأخر ما يقصده الرجل، وشك في سلامته العقلية، ففكر أن ينادي الرجل الضخم ليخلصه من هذا المزعج، ويتكفل بإبعاده. لكن الرجل الغريب استمر في الحديث، بذات النبرة العميقة:
- صادفت الرقم (20) لعشر مرات هذا اليوم. في بيتي، وفي الشارع، وعلى صفحة الجريدة، وفي ملابس المارة، وفي كل مكان، وراهنت بكل ما أملك على ذلك الرقم...
قاطعه الآخر بلهفة:
- وهل فزت؟
احتفظ الرجل بابتسامته التي غلفتها المرارة، وقال بأسى:
- لا. ولا أظن أنني سأفوز يوما.
وانصرف، يجر خطواته المتعبة، وهو يردد كلمات غير مفهومة. بينما تسمر الآخر في مكانه، وقد تملكه إحساس مؤلم بالضياع، وأذناه تلتقطان الصوت المميز للمعلق على السباق، وهو يصيح بأعلى صوته:
- الرقم (26) يتقدم، يقترب، يندفع بقوة. لقد فاز، فاز الرقم (26).
- هشام أجران / المغرب
تعليقات
إرسال تعليق