الصورة تحكي بقلم الأديب إدريس أبو رزق المغرب

الصورة تحكي 


في زاوية مظلمة، حيث تتلاقى الجدران المتآكلة مع الأرض الباردة، يجلس طفل صغير متهالك، لم يعرف دفء حضن أمه ولا طعم الطفولة البريئة. جسده النحيل يرتجف من الجوع، وعيناه البريئتان تبحثان في فراغ المكان عن بقايا أمل. في يده الصغيرة، يمسك بقطع من الخبز المتناثر على الأرض، يتناولها وكأنها كنز ثمين، يغلفها بقلبه المكسور قبل أن تصل إلى فمه.


في هذه اللحظة، يجسد الطفل الضعيف مرآة لواقع مرير، حيث يحرم من أبسط حقوقه، حق الطفولة البريئة، وحق الشبع، وحق الأمان. كيف لطفلٍ أن يجد الأمل في هذا العالم، وهو ينهش الخبز البارد بيديه اللتين لم تعرفا اللعب يوماً، ولم يلامسا إلا جدران البؤس والحرمان؟


أي قسوة هذه التي تسمح بأن يجوع الصغير، أن يبحث في الأرض عن كسرة خبز تُسكت آلام بطنه؟ كيف يمكن أن تكون الحياة عادلة عندما يجلس طفل بهذا الهزال على أرض باردة، بدلاً من أن يجلس في حضن دافئ؟


تلك النظرة في عينيه تحكي قصة صامتة، لكنها تصرخ في وجه الإنسانية. إنها ليست مجرد نظرة جوع، بل هي صرخة ألم، ونداء استغاثة في عالمٍ لا يسمع إلا أصوات الكبار، متجاهلاً دموع الصغار. إنها نظرة تخترق القلب، تذكّرنا بإنسانيتنا المتآكلة، وبالواجب الذي نحمله تجاه أولئك الذين يُحرمون من أبسط حقوقهم.


في تلك اللحظة، نتساءل: أين نحن من إنسانيتنا؟ وكيف يمكن أن ننقذ البراءة من براثن البؤس؟ هل يمكن أن نعيد له ابتسامةً لم يعرفها، وأملاً لم يتذوقه؟ أم أننا سنظل ننظر من بعيد، عاجزين عن مد يد العون، تاركين الأطفال في زاوية مظلمة يأكلون الخبز البارد، وينتظرون عطفًا لن يأتي؟


إنها دعوةٌ لنا جميعًا، لنرى في هذا الطفل قلوبنا النابضة، ونمد له يدًا تنقذه من بؤسه، لنعيد له حقه في الطفولة والأمل. فربما، بمساعدة بسيطة، نعيد رسم البسمة على وجهه، ونحفظ كرامة الإنسانية التي تنادي من خلال عينيه البريئتين.


بقلم : إدريس أبورزق / المغرب

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رغيف ساخن كلمات الكاتبة محو خديجة من المغرب

غزة بلا قيود كلمات الأستاذة بلحاج صليحة

الشمعة بقلم الأستاذ حسين عبدالله جمعة -